تاريخ الچِلاچَة(الچِلَچ-الکلک)في كارون/ بقلم: حسین فرج الله

كانت الأنهر الأهوازية مصدر حياة الانسان العربي الأهوازي، والكثير من المهن ترتبط مع النهر والمياه، من هذه المهن الفلاحة والصيد والكثير من المهن والمشاغل القديمة والحديثة لها صلة مباشرة بالبیئة الذي یعیش فیها الإنسان.
من المهن التي نسيت ولم يذكر اليوم منها شي،ولانجد منها شي سوی الذي ذُكر في قصص أجدادنا وما وصل من هذه القصص لنا، هي مهنة الكلاكة أوفي اللهجة الأهوازية الچلاچة،يقول الكاتب الاهوازي عبدالأمير الشويكي ، في موسوعة اللهجة الأهوازية،

«چلچ يعني ربط جذوع النخل أو حزم القصب والبردي وتسييرها في جريان ماء النهر (الشط)يسمى:چلچ=کلک (چلچ: بالارامیة:كلكا).

(حسوني الشويكي،عبدالامير،موسوعة اللهجة الاهوازية،ص٢٠٨)

مفردة الكلك أو الچلچ مفردة ارامية وجاءت في الكثير من المنحوتات الأرامية والأشورية و وجدت الكثير من المنحوتات الأشورية حول السباحة والعبور من الأنهر والاكلاك والقفف (نوع من القوارب المدورة كانت تستعمل قديما في العراق والمحمرة وبعض المدن الأهوازية)ومن تلك الحقبة حتیٰ القرن الماضي كانت الاكلاك تملئ الأنهر ويرتزق بها الكثيرمن الأهوازيين.
الچلچ في مدن تستر والسوس والشعیبیة لقلة وجود النخیل کان یصنع من الخشب لاسیما قَرَب الغابة أو قَرَب الشاطئ (الزور)في اللهجة الأهوازیة والسدر و…
كبار السن في المدن الشمالية مثل تستر والسوس دائما يتكلمون حول الچلاچة،وتجارة الخشب من المدن الشمالية الی المحمرة وعبادان، ورحلاتهم التجارية من السوس وتستر الي عبادان والمحمرة،لبيع الخشب التي يقصونه من غابات(زورالدز-عوسج-عوسي-الفارسیات- أم الگراد ) الكرخة والدز وكارون، على شريكة بريطانية في المحمرة وعبادان و يمرون في الطريق المائي على الكثير من القرى العربية علي ضفاف الانهر المذكورة.


كانت مهنة الكلاكة (الچلاچة)مهنة خاصة لبعض رجال المدن والقرى الشمالية للأهواز فهم يبدئون بقص الشجر من غابات ضفاف الانهر المذكورة ثم يشدون هذه الاخشاب ب حبال من جلد الخشب أو من نبتة الغنب (الجنب)و يجعلون الاخشاب المشدودة بالأحبال في مجرى الأنهر ويجرفهم الماء في مسيره من الشمال الي الجنوب وصولاً لمدن عبادان والمحمرة.يأخذون هولاء معهم البعض من المتاع مثل التمر،والدقيق و يبدئون سفرهم في مياه الانهر الذي يطول لبضعة أيام حتي يصلوا الي أعظم مركز تجاري أنذاك يعني مدينة المحمرة وعبادان،ثم يبدئون ببيع الخشب على مندوب الشريكة ،وتعوضهم الشريكة البريطانية لينج(لينچ)بنقود تسمی لیره (ریله فی اللهجة وهي نقود بريطانية كانت تسمي ليرة أسترلينج )وكمية من دقيق البمبئي (بمبي-الدقيق الابيض الذي كان يدخل البلاد من مدينة بمبئي في الهند ويأتي مع السفن التجارية الهندية-بريطانية حتى تصل ميناء عبادان والمحمرة ثم تدخل مينا دار خزينة والشليلي في تستر أو تأخذ الى محطة القطار في المحمرة حتي تصل محطة نمرة خمسة في مدينة السوس وتدخل قرى القوماط والشعيبیة وسائر القرى المجاورة لمحطة القطار).

 

 

بعد بيع الخشب يذهبون الى محطة القطار في المحمرة وياتون مع القطار الي محطة نمرة خمسة في القرب من القوماط في مدينة السوس وينزلون في تلك المحطة ويذهبون للقرى الذي يسكنون فيها.في بعض الأحيان يذهبون بعض الشباب مع الكلاكة للعمل في ورشات التمور وكانت تسمى الجرداغ (الچرداغ-مکان جمع التمور وتکدیسه للحصول علی الرهش من التمر)یعملون فی موسم الجرداغ یعنی حدود اواخر الصیف ویأتون بكمية من التمور(حلانة تمر أو حلانتين) والقليل من النقود وهكذا يرجعون مع قطار المحمرة -السوس وينزلون في محطة نمرة خمسة حتى يرجعون الى القرى بعد حدود شهرين من العمل والكد المتعب في حرارة الصيف.
جاءت في منحوتة الاشوريين أول رسمة من الكلك الاشوري وتوجد اليوم هذه الرسمة الاشورية في متحف لوفر في فرانسة.

«كـمـا أنّ لـديـنـا صـورة لـتـخـطـيـط رسـمـه عـالـم الآثـار الـبـريـطـاني هـنـري لَـيـارد لـمـنـحـوتـة وجـدهـا في قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـنـحـاريـب أيـضـاً تـمـثّـل كـلـكـاً يـطـفـو عـلى قِـرب مـنـفـوخـة (نـرى مـنـهـا سـبـعـة مـن جـانـبـنـا) يـسـيّـرهـا رجـلان، الـواحـد مـنـهـمـا بـجـانـب الآخـر بـمـجـاذيـف تـبـدو مـثـل سـنّـارات ضـخـمـة في نـهـر (فـقـد أظـهـر الـنّـحـات ضـفـتـيـه), وخـلـفـهـا رجـل يـسـبـح عـلى قـربـة مـنـفـوخـة ويـضـع يـده عـلى مـؤخـرة الـكـلـك.

(https://www.google.com/amp/s/sabahalnassery.wordpress.com)

الـمـؤرخ الـيـونـاني هـيـرودوت الّـذي زار بـابـل في الـقـرن الـخـامـس قـبـل الـمـيـلاد، بـعـد حـوالي خـمـسـيـن سـنـة مـن سـقـوطـهـا، فـسـنـجـده يـتـكـلّـم عـن الـقـفـف في الـمـقـطـع 194 مـن الـكـتـاب الأوّل مـن مـؤلَـفـه الـشّـهـيـر، وقـفـفـه كـانـت تـنـزل نـهـر الـفـرات إلى بـابـل :

وقـد كـتـب رالـف فـيـتـش بـعـد أن وصـل إلى بـغـداد عـن الأكـلاك الّـتي لـم يـذكـرهـا هـيـرودوت : “وتـأتـيـهـا كـثـيـر مـن الـسّـلـع مـن أرمـيـنـيـا عـن طـريـق نـهـر دجـلـة عـلى أكـلاك مـن جـلـود مـاعـز مـنـفـوخـة تـثـبـت عـلـيـهـا ألـواح مـن الـخـشـب، وتـحـمّـل عـلـيـهـا الـبـضـائـع. وعـنـدمـا تـصـل وتـنـزل مـنـهـا الـبـضـائـع تـفـرغ الـقـرب الـمـنـفـوخـة مـن الـهـواء، وتـحـمّـل عـلى ظـهـورالـجـمـال إلى أرمـيـنـيـا لـتـسـتـعـمـل مـن جـديـد”.
(https://www.google.com/amp/s/sabahalnassery.wordpress.com)

إنتهت حياة الكلاكة أو الچلاچة ولا تنتهي قصص أجدادنا ورحلاتهم التجارية وبيع الخشب والجرداغ للتمور(چرداغ)، وكل يوم ينقلون القصة ويتداولونها لعدة سنين ولايزال يتذكرون الرحلات التجارية والسفر على أكتاف نهر كارون .

(حسین فرج الله ابو عرفان ١٣٩٧)

Print Friendly, PDF & Email
0 0 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
× تواصل معنا عبر تطبيق واتساب