شارك:
عدد التعليقات : 0 تعليق
الخميس 16 أبريل 2020
خواطري (1) بقلم: سعيد مقدم أبو شروق

 

أمضينا بعد النزوح عن المحمرة سنة كاملة في قرية گرگر، إحدى القرى التي تقع على ضفاف نهر الجراحي، كنت آنئذ ابن التاسعة، وأبو عماد وأبو رشا وأم سلمان أصغر مني سنا، وأبو جاسم يكبرني سبعة أعوام.
أحببت أن نغادر القرية، وقد فعلنا.
أحببت أن نغادرها رغم أن القرية كانت خلابة بنهرها ومزارعها ومراعيها وجمال نشر غنمها وإراحة بقرها، لكن القرية التي ليس لك فيها بيت ولا ماشية ولا حقل، أنت فيها غريب.
كيف لك أن ترى هذا الجمال وتستمتع به وأنت تتغدى ولا تكاد تتعشى؟!
تنظر إلى قطيع الغنم ولا شاة لك فيه!
تسمع خوار البقر ولا عجل لك بينه!
بساتين البطيخ الأحمر جميلة، لكنك لا تملك شبرا منها!
مزارع القمح خضراء، لكنها لا تُذهب عنك حزنا!
ليس لك سوى سمك النهر؛ تتغدى سمكا، تتعشى سمكا، تفطر بالسمك؛ ونهر الجراحي قبل إنشاء السدود كان مملوءا بالسمك.

جاءت سيارة نقل (وانت)، وحملنا فيها أغراضنا، ولم تكن كثيرة:
بضعة بطانيات، و(جواجيم)، ومخدات ريش، ومرتبات أقل منا عددا، وسجادتان في قياس 3×1.20، وقُفّتان اتخذتهما أمي من خوص النخيل ووضعت فيهما ملابسنا.
جلس أبي أماما جنب السائق، وصعدنا نحن الخمسة وأمنا خلفا مع الأغراض؛ وتركنا ساحة الدار مزجرا للكلاب وحظيرة للحمير، وسقفها مأوى للخفافيش… وراحت السيارة تهزنا كالمهد.

كان أترابنا يرمقوننا باستغراب، لم يلوحوا لنا حين مغادرتنا كما يفعل الأطفال عند توديع صديق، ربما لم يروا قبلنا أسرة تغادر القرية، ولم يفقهوا معنى النزوح، أو ربما كانوا يظنون أننا خرجنا نعمل في حقل من الحقول، وسنعود بعد أيام قليلة.
ما كانوا يعلمون أننا غادرنا القرية بلا عودة.
كنت بين الآونة والأخرى ألتفت إلى القرية لأستجمع خواطر طفولة سنة كاملة قضيتها فيها بقسوة، وكانت القرية تنأى كلما ابتعدت السيارة، حتى انمحت.
وعندما عبرنا سكة الحديد وبلغنا الأسفلت، انطلق السائق بنا نحو الأهواز بسرعة.

………
جواجيم: جمع الجاجيم، وهو غطاء منسوج من خيوط الصوف الملونة وملمسه خشن.

Print Friendly, PDF & Email
العلامات :

التعلیقات

*

× تواصل معنا عبر تطبيق واتساب