شارك:
عدد التعليقات : 0 تعليق
الخميس 14 مايو 2020
قصة قصيرة (الشمس المسروقة) بقلم: مهناز عبدالواحد

في یوم صیفي حار ،
كانت الأتربة التي تحملها
الریاح اثناءِ التلوثات
البيئية تزعج المارة
و الطفلة کانت أكثر
انزعاجاً فهي صغیرة و لاتتحمل اعباءِة الغبار المتطايرة في هبوب الریاح.
و کانت تغمض عينيها في کل مرة عند هبوب الأتربة . فأخذت الأم طفلتها تحت جناحیها حتی تحمیها من الأتربة المتطایرة التي تسبب الکثیر من المشاكل
الصحیة خاصة بالجهاز التنفسي و ماینتج عنها من ضیق في التنفس و
التهابات بالأنف و الربو و الحساسیة بالأنف.

و لکن الطفلة الصغیرة بین الحین و الآخر تطل
برأسها ببراءِة، و تتطلع کثرة ماتتشوق إلیه، و
ترى الناس، هم یواجهون
ذرات الغبار في الهواء
و یحاولون الهروب بأي
طریقة ممکنة.
هذا المشهد کان یتکرر
يومياً، تأتي الطفلة مع امها للسوق و تجلس
علي جانب رصیف.
لأن السوق مصدر دخلهم الوحید لكسب قوتهم الیومي و من أجل لقمة رغیف!!
کان السوق في ذلك الیوم یضج بالمتسوقین
و کانت الطفلة تنظر بالشفق إلی المارة، و کأنها تطلب منهم بعینیها الواسعتین و ملامحها الطفولیة، کي یشتروا منها
مکنسة واحدة أو أثنین
فقط…
و لکن یمرون من امامها دون الإلتفات اليها و الى بضاعتهما.

و تتساءل في نفسها: مالها
الناس یمرون من جنبنا و فلاینظرون إلینا و لایهتمون بنا، بضائعنا رخیصة لیس غالیة بأمکانهم أن یشتروا کمیة کبیرة منها، هل التكنلوجيا الحدیثة و غزوها المنازل و البیوت جعلتهم یبتعدون عن کل ما مصنوع یدویة؟ هل وجود مکنسات الکهربائية جعلتهم یستغنون عن مکنسات یدویة
و کیف تجازي أمي من بعد تعبها الطویل و سهرها في صنع المکنسات الیدویة
اذن علی من نبیعها ؟؟
کیف نعیش؟!

و في تلك الحظة ، عندما کانت غارقة في مشاهدة الناس و هم يمرون من بضاعتها بسرعة كسرعة البرق ، شاهدة الأطفال الذين کانوا عائدین من المدرسة و هم مرتدین الزي المدرسي و کل واحد منهم کان حاملاً حقیبة جمیلة على ظهره، إکتسح قلبها الصغیر و غرقت بأفکارها…. هذا العام کان یجب علیها أن
تذهب إلی المدرسة،
لکن امها لم یکن لدیها القدرة علی دفع المال لتسجیل ابنتها لذا قررت ان تسجلها في العام المقبل و ذلك يعني انها تتأخر عاماً كاملا عن الدراسة و کانت تفکر… ربما إذا کان أباها الان إلى جانبها ، لكانت الان مثل هؤلاء الاطفال تذهب إلى المدرسة و تجلس في الصف الاول و تتعلم كتابة اسمها و اسم والدها

على رقم کل المعاناة التي تعیشها الطفلة، حرمانها من طعام جید، ملابس جدیدة أو الألعاب التي تحبها، أو الحصول علي التعلیم و…. لم يكن ذلك ما يحزنها بقدر فقدانها لأبيها هي تشعر أن السعادة في وجود الأب و تحن الى رؤیة أباها الذي كان بأمكانه جلب السعادة إلى البيت و الراحة الى امها و البسمة الى فمها الصغير

و كانت الشمس تزيد عليها الأمر صعوبة فوقت الظهيرة اثار جوعها و حزنها ايضا على انها تذکرت منذ یومین لم تأکل الاالخبزالفارغ وكانت في السوق تفوح روائح الحلويات و الأطعمة و الفواكه فكل تلك الروائح كانت تثير شهيتها و تزيد الأمر سوءاً

شعرت بالعطش بسبب جلوسها في الحر ، نهضت من مکانها و عندما أرادت أن تذهب سألتها امها:
_أین تذهبین؟
_أشعر بالعطش، سأذهب للبحث عن الماء
_لا تذهبین بعیداً
_ لا تقلقي، لن أذهب إلى مکان بعید

واصلت المشي على الاقدام تبحث عن الماء و تلتفت یساراً و یمیناً لا یوجد ماء حولها، لذا كان من الواجب ان تبتعد اكثر عن امها لعلها تجد ماء تسد به عطشها
إبتعدت عن إمها و إنتبهت إلي صوت، کان یصیح “ماء بارد… ماء بارد” ذهبت نحو الصوت، رأت رجلاً و طشت کبیرة أمامه و هناك داخل الطشت توجد المیاه المعدنیة الصغیرة و الثلوج الکبیرة حتى تحافظ علي الماء البارد، لکن لم يكن بحوزتها نقودا حتي تشتري الماء
فنظرت إلى الأرض تحت الرجل رأت قارورة صغیرة نصف ممتلئة من المیاه المعدنیة، فأخذتها.
لاحظها البائع و هي تأخذ القنينة فأثار مظهرها شفقة البائع لذا أخرج قارورة باردة من الطشت و أعطى الطفلة
_خذیها من یدي
_لیس معي نقوداً و لن أقدر على دفع ثمنها
رد عليها بأبتسامة عريضة:
_لا داعي لدفع النقود أخذیها مني
رفضت الطفلة أخذها كونها تعلم ان أخذ الأشياء من الغرباء عمل خاطئ و لکنها واجهت إلحاح الرجل و اصراره، فمدت یدها نحوه و أخذت الزجاجة
عند امساكها الزجاجة شعرت ببرودة الماء و ذلك جعلها تطير شوقا للوصول إلى امها و اعطائها الماء فعلى رغم العطش الذي تعانيه لكنها ارادت أن تعطي الماء إلى والدتها اولا

_ أعرف أن أمي تشعر بالعطش الشديد لکن لاتقول لي و لا تبوح لأنها تريد ان تكون اقوى مني سأثبت لها أنني أتحلى بالقوة و الصبر أيضاً
و كانت تتسائل و هي تحمل الزجاجة بين يديها و تهزها في كل خطوة تخطوها یا ترى؟ ما هو طعم المیاه المعدنیة لأن حتى آلان لم أشرب الماءَ المعدني البارد، نحن نشرب دائما من أنابیب المیاه و له طعم مالحة، و لیس لدینا وسیلة التي تبرد الماء!
….و الأن كيف عليّ اقناع أمي بأنني لم اسرق القنينة أو لم أخذ شيئا من شخص غريب بسهولة
ستظنني فتاة غير مطيعة، لكنني لو لا الحاح الرجل لما أخذتها ، لذا لا اظنه غريبا..نعم ليس بغريب.. ثم هو أعطاني القنينة و هذا يعني انها أصبحت ملكاً لي
و کانت أمي تقول لي : لا تأخذي ابداً، شیئاً لیس لك لكن ماذا لو لم تصدقني
سأقسم لها بأبي لأنها تعلم كم أحبه و لا اقسم به كذباً .. كم اشتقت إلى ابي
_یا تري أین هو ألان؟؟ هل هو في الصورة المعلقة على حائط الغرفة!
في کل مرة اسأل امي عن أبي، و اقول لها أرید رؤیة أبي..
امي ترد علي و تقول :” سیعود عند، حلول الصباح”
و لکن کل اسئلتي التي تدور حول اختفاء والدي و احاول ايجاد اجوبة لها ، تكون اجابة امي نفسها”سیعود عندما، يحل الصباح
و بعد ذلك اصمت و لا اسألها شيئا آخر لأنني أعرف اجابتها، لکن أتذکر في ذلك الیوم، الذي اقتحموا الغرباء منزلنا الصغير و دفعوا الباب بقوة و أخذوا أبي معهم و أمي صرخت و حاولت أن تمنعهم و قالت لهم أین تأخذوه؟؟ لکن دفعوا أمي بقوة و هي سقطت علی الأرض و أنا کنت خائفة جداً فاختبأت خلف امي و بدأت بالبكاء كنت صغيرة لو تكرر هذا الامر لكنت دافعت عن ابي بصلابة و دفعت بهم خارج المنزل، آه لو كنت كبيرة في ذاك الوقت ، و أنا منذ ذلك اليوم لم أرى أبي مرة أخري، و هذا الشي ء الوحید الذي لایزال باقٍ في ذاکرتي، يقولون البعض أن أبي مجرم و أسمع من جارتنا احيانا و هي تواسي أمي و تقول لها كان على والدي أن يتخذ الصمت!! و أن لا يخالف القانون! و أمي كانت تأشر لها بحواجبها طالبة منها السكوت امامي لكنني واثقة من ان جارتنا ام سعيد مخطئة بحق والدي لأنه كان طيب القلب جدا و لا يستحق ان يلقب بالمجرم ما يحزنني انني لا أعرف من هو القانون!! سأقول له انني غاضبة منه، لانه هو و اصحابه قد ارعبوني و ضربوا امي .

كانت تتكرر الاحداث في ذهنها فيمطر عقلها اسألة كثيرة لا تجد لها اجوبة و هي تمسك بيدها القنينة و تمشي إلي امها، فجأة سمعت صراخاً و ضجیجاً من مسافة بعیدة و عندما وقعت عیناها شاهدت امها و هي تصرخ و تلطم على وجهها و أحد الرجال کان یناقشها و يجمع البضائع بالقوة و الأم تمسك بضاعتها و تتوسل إلى الرجل أن لا یأخذ بضاعتها و کانت تقول لهم : هذا هو المصدر الوحید الذي نأکل الخبز منه… و إلى أین نذهب ؟؟ و أینما ذهبنا لن تسمحوا لنا أن نبیع بضائعنا!

فأسرعت بالمشي و تنظر إلى امها، ماذا یقول لها هذا الرجل؟ لم تفهم من كلامه شيئا ولا كلمة واحدة !!
من هذا الرجل؟ و لماذا یجب أن تؤخذ البضائع!!

فحاولت الأم أن تصرخ مجددا لكن فجأة رفع أحد الرجال عصاء سوداء اللون و ضربها على رأسها حتى سقطت على الارض و لم تتحرك بعدها و كأن قد حلت المشكلة بهذه البساطة
ألقي الرجل البضائع في السیارة و ابتعد من هناك بسرعة..

ارتجفت الطفلة عند مشاهدتها هذا المنظر المخيف، رکضت و عندما وصلت، رمت بجسمها الخفیف علی امها و بدأت تهزها و تبكي بصوت عال.. فصبت الماء البارد علی وجه امها و علی شفتیها الجافة..
_اجیبیني يا امي
من هذا الرجل القاسي القلب؟
و لماذا یضربك؟ لما أخذ بضائعنا! لما أخذ ما لا يخصه
ألم تعلميني : ان لاینبغي لأحد اخذ شيءِ لیس له ،
و لماذا ضربك بقوة عندما صرختي و طلبتي الاغاثة
یا أمي أجیبیني

لم تستطع الأم الاجابة و لا النطق بکلمة واحدة، لأنها لم تكن تسمع شيئأ لأنها لم تعد ترى شيئا …… قد فارقت الحیاة و حلقت روحها إلی السماء
فتجمعوا الناس حولها و جاء رجل رمى العباءة على جثتها و غطى وجهها
رفعت الطفلة رأسها إلیه و رمته بنظرة غضب، حاولت أن تصرخ لکن لم یکن بوسعها و کانت الصرخة تتردد في قلبها الصغیر ثم رفعت العباءة من وجه امها و حدقت إلیها و حضنتها ثم مسكت یدها النحیلة، فاستشعرت البرودة في یدها في هذا الهواء الحار!
تدحرجت قطرات دموعها على خدیها و قالت : امي نائمة فقط! و آلان تستیقظ!
إنها فقط متعبة و تشعر بالنعاس قليلا
لقد مضی وقت طویل و هي لم تسترح
هي فقط ذهبت إلى نوم عميق و لن اسمح لأحد أن يزعجها
ربما تحتاج إلى النوم آلان !!

Print Friendly, PDF & Email
العلامات :

التعلیقات

*

× تواصل معنا عبر تطبيق واتساب