طيف الحرّية/بقلم: ثامر الصالح الهليچي

حينما كنت لا إختياريّاً قد طرحني القدر في المهد الخشبي كالجنازة في الجدث إلّا أنا أمتلك صفات الحَى ولكن لم أكن قادراً على فعلٍ يغيّر ممّا حولي كالطفل الخائف أمام الجلّاد .

كان يراودني إحساسٌ أنّ المهد الترابي المحتضن للمهد الخشبيّ لهُ قصّةٌ لا أعرف عنها شيئاً حتّى أصبحت الهموم تسعىَ نحوي كسعى الحجيج بين الصفا و المروة ، لكن يَصِلنَ إليَّ ولا يرجعنَ أبدا .

فابتدئت أجراس الحيرة تَـرنُّ في رأسي كما رنّت برأس موسى عند مرافقته للخضر بيدَ أنّ موسى قد علِمَ أسباب حيرته فيما بعد ، ولكن استمرّت خيول الأسئلة تتسابق في ساحة ذهني ولم يَجدنَ خط النهاية و هو الجواب .

فبعدما مضت أعواماً أكثر قليلاً من القلائل وقد أصبحت أعي ما أسمع و أُمعن فيما أنظر فعَلِمت ما قصّة المهد الترابي ؛ و هيَّ أنّ هذا المهد ذو تاريخٍ عريق و قد استحوذ عليه أُناسٌ غير أهله ،فصارت القصّة تأخذ دورها في حركاتي و همساتي بل بحياتي بأسرها فلم أكن كسائر الناس و لا أُشبههم سِوىَ بجرّة الأنفاس .

ففي ليلةٍ من الليالي فارقني السهاد وكأنَّه لم يكن الصديق الحميم طوال السنين الماضية وأتىَ النوم مستعجلاً نحو عيناى فتعانقا عناق عاشقين أنهکتهما سیاط الشوق فالتقيا بعد فراقٍ طال زمنه فستقبلني طيف وقد جعلني في حديقةٍ ألوانها تبعث السرور إلى قلوب الثكالىَ و عطورها تطير بالأرواح إلى السماوات ، والناس جميعاً هناك لم أسمعهم يتفوّهوا بشيءٍ سِوى بيت شعرٍ يردّدونه إذ يقولون فيه ؛

فـإن بَـعُـدَ الحَقّ عن أهله دهراً
يَعُـد ْ ، لا تبتئس كما عاد يوسفا

و أنا صامت لم أتمكّن أن أسأل بل لا أمتلك قوّة التكلّم إذ شعرت بغيث الأمل قد بعث الحياة في فؤاد زهرة قلبي الذابلة ، فما أن مضت لحظاتٍ و أتت اليقظة المُفرّقة و قضيت من بعدها الأعوام و عقلي لِكَى لا ينسىَ ذلك الطيف يجاهد كجهاد الثائر المخلص لكسب حرّية وطنه ، و يَـفِـرُّ من وصول جيوش النسيان إليه كما تفرّ أهل القرية الّتي قد أسكنهم سوء حظّهم بقرب الجبل الحامل للبراكين عندما جاءت ساعة تَـقَـيُّـؤه مخافة أن تعظّهم النار الحارقة بأنيابها القاسية .

فكم أخشى على كتاب عمري يصل إلى الصفحة الّتي تُعطي زمام الأمور للّذي يُكرِم بإعطاء المَنوُن و لم أرى ذلك اليوم الّذي تكون فيه حقيقة كلام الأنبياء حين رأيتهم في طـيـف الـحـرّيـة .

فليت شعري هل أكن ذا حظٍّ ويحتضنني السرور بذلك اليوم و أنسىَ الأشجان الّتي ذقتها في زمن المهد الخشبي و ما بعدها .

يـا لـيـت … يـا لـيـت .

Print Friendly, PDF & Email
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x
× تواصل معنا عبر تطبيق واتساب