قصة :الضوء الأحمر/ مهناز عبدالواحد

هبت نسمة هواءِ باردة على وجهي، شعرت ببرد يتسلل إلى أصابع قدمي و یدي فأخذ جسدي يرتجف.

لم أکن أمتلك سترة دافئة تقيني برودة الطقس، لهذا وضعت یدي في جیب سروالي البالي، کنت واقفاً خلف الضوء الأحمر لفترة طويلة وأركز على الإشارة الحمراء، وبالرغم من خطورة مقاطعة سير السيارات، کلما لاح لي الضوء الأحمر، هرعت أقطع الطريق مسرعا لمسح الزجاج بقطعة قماش مبللة بالماء
ولم أکن أهتم، ولا أكترث إلى الأصوات الغاضبة التي ترتفع من الشاحنات وقد تدهسني سيارة ما في أي لحظة.


لكن هذه الأمور لم تمنعني من وصول يدي إلى الزجاج المتسخ.

حل الظلام فطرز المدينة ثوب حالك السواد، وظهرت النجوم متألقة في قلبه تضفی علیه بریقا کبریق ثوب جدتي، لقد حل الليل وتخلت الشمس بسرعة ولم أشعر بمرور الوقت، عندما شعرت بالتعب الذي کان ينبئني بنهاية اليوم، تسللت بخطوات ثقيلة إلى جانب الرصیف وجلست مع الأطفال، نحن کلنا أصدقاء وكانت المعاناة والمشقة هي التي تجمعنا معاً، نتشارك الهم نفسه والمشاعر وحتى الخبز أحيانا، وصداقتنا خالية من المكائد ولم نكن نملك شيئا نقدمه لبعضنا سوى المشاعر الصادقة والقلوب النقية، فنتشاجر من حين إلى آخر على أمور تافهة وثم ننسى الشجار لنعود متصافحين متعانقين بعد نهاية النهار، فالليل يجمعنا بهدوئه والنهار يجمعنا بصخبه وتعبه.
وهذا المکان بمثابة مصدر رزق لنا وأظنه كان الوطن أيضاً، لأننا لم نتخلَ عنه ويتعلق بنا.
ولم نكن نملك طريقة أخری لكسب العيش، بإعتزاز كنا نجهد في كسب لقمة الخبز، لا نملك خياراً آخر، بل دفعتنا الظروف على تحمل المسؤولية فجلبت لنا المتاعب والشقاء، وفي هذا الفصل، الشتاء، نعمل بجهد مضاعف وتزداد معاناتنا لأننا لانمتلك ما نواجه البرد القارس ولا نلوذ إلا بملابسنا الرثة القديمة.
ولا نعرف عن المدرسة والطلاب سوى السيارات الممتلئة والأطفال الذين نراهم يظهرون عادة في الساعة السابعة صباحا مرتدين الزي المدرسي يحملون حقائبهم التي کانت مزينة بصور متحركة بألوان باهرة، كنت أراقب الأطفال من خلف زجاج نافذة السيارة غالباً وهم يرتدون الازياء نفسها، بحق کانت جميلة… وكنت أود لو أنني أشاركهم في هذه السعادة وأرغب في التواجد داخل السيارة الدافئة أحيانا، لكنني أختلف عنهم، أنا أمسح الزجاج وحسب.!
أنا وأصدقائي نعمل بلا كلل بینما یفترض أن نکون في المدرسة، ندرس ونتعلم،
ولکن کیف ذلك؟!
أو هل يمكننا الدراسة أصلاً؟ أو التسجيل في المدرسة؟
ماذا يعلمونهم في المدرسة يا ترى؟
بینما کانت تتسارع هذه الأفکار في رأسي وتساورني كل هذه الأسئلة، وقفت بجواري سیارة سوداء، أنيقة واسعة وزجاجها غامق ذو اتجاه واحد للرؤية،
فلاحظت السائق كيف يلتهم طعامه ويأخذ اللقمة الأخيرة بسرعة وكأن فمه مكنسة كهربائية تبتلع كل شيء بسرعة، فتح النافذة وقام برمی وعاء الطعام الذي لا أظن أنه قد تبقى فيه شيء علی الطریق!
فرکض الأطفال نحو الوعاء وصاروا يتشاجرون عليه.
وأما ما لفت انتباهي هو زجاج السيارة التي لم تتحرك بعد، فأسرعت مبتهجا، كأنني انتصرت على رفاقي بلقمة أكبر وصرت أمسح الزجاج بسرعة حتى فتح الباب فجأة ونزل السائق ذو البطن الكبير واقترب مني بوجه تعلوه تعابير الغضب، فوقفت بمكاني أتربصه حتى جاء ولوح بيده في الهواء وصفعني علی وجهي ودفع بي بعنف إلى الوراء، فوقعت على الأرض؛ وقال بأسلوب قاس:
أیها الطفل الغبي؟!
لماذا لاتفهم! ولا تبتعد؟!
وسخت زجاج سیارتي أيها الأحمق!

أصابتني الدهشة ارتبكت و ارتعبت،كانت كل هذه المشاعر قد تزاحمت عليّ، فعقدت لساني عن التلفظ بكلمة و صرت جاثما في مكاني دون حراك
ثم رکب السیارة وتحرک
بسرعة حتی أختفی عن الأنظار

شعرت بألم في فمي أخذت اتحسس شفتاي و أسناني حتى وجدت أن فمي ينزف دماً و حاولت أن أوقف النزيف بیدي لكن عبثا أحاول، تلطخ قميصي و نظرت إلى من هم حولي و الخزي يعتريني فرأیتهم ینظرون لي بصمت و دهشة، لم يفعلوا شيئا، شعرت بالغثيان والدوران و كأن السماء كانت تدور حولي، لم تکن لدي أیة رغبة في البقاء هناك كنت أشعر بالعار، لهذا أبتعدت دون أن التفت إلى هتافهم و نداء من يناديني
فتسللت بإتجاه الممر الضيق وصرت أسير وأحاسب نفسي وعقلي المعذب یتساءِل؟!
ماذا فعلت له حتى صفعني؟؟ أي ذنب اقترفته يستحق هذه المعاملة؟
لماذا یحتقروننا إلی هذا الحد؟! و يعاملوننا هکذا؟؟
لماذا لم امنعه لم إدافع عن نفسي ..ماذا كنت انتظر؟
ضربني لأنني…مسحت زجاج السيارة وحسب!!!
كان عليّ أن أمسح وجهه أيضاً…
و من هو حتي یضربني؟!
ان أبي لم يضربني قط…فمن يظن نفسه هذا المتعجرف…
ابي لطالما كان ودوداً و لطیفاً و يحترمني ليته كان هنا اليوم! …

علي أن أعود إلی البیت . أمي … يجب أن لاتقلق أکثر مما هي عليه… لکن أخي الصغير أراد مني أن أجلب له بيسکویتة. لقد وعدته أن أجاب له بيسكويته…لكن لا أملك شيئا سوى قميصي الملطخ و كرامتي المسحوقة،
الآن ماذا سأقول له؟!….

أغلب المحلات أغلقت أبوابها، فأسرعت
بخطواتي بإتجاه سوپرمارکت، بمجرد أن
دخلت، لصقت وجهي بالزجاج. انطلقت عيناي قبلي تتلصص علىی الحلويات، المکسرات، علب الشوكولاته بألوانها الزاهیة، إنها شهية حتما …لم أتذوقها من قبل أبدا
وقعت عیني علی علبة بيسکویته ناشفة فأشرت إلی علبة وسألت عن سعرها.
صاحب المحل رجل عجوز جالس علی کرسي، کان صامتا ويحسب النقود الورقية ويراقبني من تحت نظارته، فتل شاربه الأبيض الطويل الذي کان يغطي فمه کاملاً ، فبدأ یرطن بلغة غير مفهومة، لم أفهم منه شيئاً، بقيت حائراً
قلت له :
_ لو سمحت یمکنني أخذها؟ سأحضر المال غداً، ليس معي الآن
مهما تحدثت لم يفهمني! حتی يصدقني فيما أقوله أشرت له و أریته جيوبي الفارغة وأقسمت له!
فجأة تزحزح من الکرسي، وهبّ غاضباً ورفض بشدة، وقد أشار لي بمغادرة المحل
حینما خرجت، أخذ يغلق المحل بسرعة
بعد ذلك بقليل انتابني ندم شديد وألم فظيع،نفس الإحساس عندما ضربني ذلك الرجل الغلیظ!
وسألت نفسي: ماذا فعلَت بي العادة، عادة التماس الآخرين؟
وماذا یعتقد هذا الرجل العجوز،هل یظن أنني أکذب عليه؟! أو حسب أنني لا أرید دفع المال؟!
ومــــا عليَّ إذا کان لم يفهم ما کنت أقوله
حاولت إفهامه وأشرت له، لکنه لم یفهم!
لولا وعدي لأخي لم أطلب أبداً من هذا العجوز البخیل!

واصلت السیر أخذت أتوقف أمام المحلات، الساعة قد جاوزت منتصف الليل کنت أضیع وقتي ولا فائدة من هذا، لا أحد يصدقني، لكنني بدأت أفقد الوعي، فسارعت في العودة إلی البیت فحینها تذکرت أبي، کیف کان يشتري لنا ما نريد من حلويات نستلذ بها وقد كنا نستمتع وقتها، وکیف کان یرعانا ويحمينا من کل أذى، بعد أن فقدنا أبي انقلبت حیاتنا وساءت ظروف معیشتنا فتحملت أنا المسؤولية
فأصبحت رجل البیت في عمر مبكر جداً …
اضطررت أن أتخلی عن طفولتي البريئة والدخول إلى عالم الكبار!
أخذتني الأفکار لما وجدت نفسي أمام البيت، کان الوقت متأخرا جدا، أمي کانت تنتظرني بفارغ الصبر
ألقیت تحیة کعادتي اليومية وحاولت التظاهر بالسعادة وإخفاء ملامح الحزن والهزيمة كي لا أثير أشجانها، فلما رأتني حدجتني بنظرة قلقة وصارت تتفحص وجهي المصفر
ثم سألتني وكأنها تعلم ما حدث :
_ما الأمر؟
ماذا حدث لك؟
ما هذه الدماء علی قميصك؟!
هل یؤلمك شيء ما؟!
کنت أحاول إخفاءَ فمي وهي تتفحصني وتكرر أسئلتها بحزن شديد اختلقت بعض الأعذار والأکاذیب وحاولت إقناعها بأنني بخير وکنت قد تشاجرت مع أصدقائي وحسب . ماذا كان بوسعي القول لها؟! لم أكن أود إثارة خوفها فتمنعني من الخروج بعدها ولکنها تعلم أنني أكذب ..
اقتربت مني وصارت تمسح الدم من فمي بثوبها وخلعت قميصي حتی تغسله، لیس لدي قميص آخر، لهذا تسلّلتُ إلی الغرفة، رمیت جسدي النحيل علی الفراش سحبت البطانية إلى معتلى رأسي لأدفئ جسدي المرتعش من البرد
التفتّ إلی أخي، کان نائما كالملاك البريء واضعا کفه تحت خده؛
تساءلت في نفسي:
هل کان ينتظرني کل هذه الفترة؟ وهل
أستطيع أن أوفي بوعدي غداً، لکي أرسم بسمة علی شفتیه ولو لفترة قصیرة، ولکن کم أصبح صعبا بالنسبة لنا شراء بسكويته صغيرة!

لا فائدة من هذا العمل!
تحملت التعب ومشقة الجوع في يوم طويل، فما الذي حصلت من هذا العمل الشاق
ما فائدة التعب إذا کانت
جیوبنا فارغة، عبثاً نحاول!!
و ماذا سيحصل غداً أو بعد غد?!
لاشك سيكون مثل اليوم أو أسوأ، الأيام الآخری لا تختلف کثیراً و لا يتغير شيء فکیف يتغير!؟
في حين جميع الأبواب تغلق في وجوهنا، ولا أحد يحاول ألأخذ بأيدينا وإخراجنا من هذه المآزق التي نعاني منها
ليت حاضرنا كان مجرد کابوس ینزاح منا …مني ومن أخي ومن أمي. توقظني أمي کل صباح وتقول لي:
ابني أصح من النوم، قد تأخرت يجب أن تذهب إلى المدرسة!!

لا أزال أحدق في السقف، فأطلقت تنهيدة طويلة والحسرة تعصرني، کانت تتزاحم الأفکار في رأسي، لم يتبقَ الکثیر من الوقت حتی الصباح
بینما أغمضت عيني
لکثرة التعب، غفو

Print Friendly, PDF & Email
0 0 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
× تواصل معنا عبر تطبيق واتساب