www.honalahwaz.com
الرئيسية / التاريخ / فصل من التاریخ الأهوازی قبل الأسلام ((مملكه میسان العربیة))
فصل من التاریخ الأهوازی قبل الأسلام ((مملكه میسان العربیة))

فصل من التاریخ الأهوازی قبل الأسلام ((مملكه میسان العربیة))

فصل من التاریخ الأهوازی قبل الإسلام ((مملكه میسان العربیة))”عارف عبدالله”

 

یحدثنا التاریخ العربی قبل الإسلام عن موجات من النزوح بدواعی وأسباب سیاسیة واجتماعیة ومناخیة …..الخ فی أرجاء الجزیرة العربیة ومن حولها وكانت هذة الهجرات تارة طوعیة وتارة لظروف شتی یكون الحدیث عنها واسعا ومنشعبا، وبفضل الدرسات وعملیات التنقیب فی أرجاء الجزیرة العربیة ومن حولها تبین لنا أن هذه الهجرات لها تاریخ طویل ولعل الایام المقبلة تكشف عما نجهله حتی الآن. ومن بین ما كشفته عملیات التنقیب والدرسات الأثریة ،آثار ونقود راجعة لدولة عربیة یرجع تاریخها إلی المائة الثانیة قبل المیلاد نشاءة وتطورت فی غربی الأهواز وجنوب العراق عرفت بـ “مملكة میسان العربیة” التی امیط اللثام عنها فی مطلع القرن التاسع عشر.الا انها لم تحظ فی الأوساط العلمیة بما تستحقه من دراسة وتنقیب تلیق بمقامها وأهمیتها، وبتبع ذلك ظل الكثیر من الأهوازیین یجهلون فصلاً هاما من فصول تاریخهم العریق علی الرغم إن ما یفصلنا عن أولی الدراسات عن هذه الدولة حتی الان ما یربو عن القرنین.

برزت معرفة المختصین بمملكة میسان فی أوائل القرن التاسع عشر بعد أن ران علیها من النسیان منذ العصور القدیمیة. ففی سنة 1818 م لحظ (فیسكونتی ) أن الأسماء المكتوبة علی بعض النقود الإغریقیة من أصل شرقی وتشبه أسماء الملوك الذین قال عنهم المؤلفون الكلاسیكیون إنهم حكموا مدینة خاركس (( charaxعند رأس الخلیج. ولقد استطاع جی سانت مارتین فی باكورة سنة 1818 أن یعد دراسة صرفیة اشتقاقیة وبلدانیة وتأریخیة بلغت من التمام الحد الذی استطاع أن یدركه ونشرت هذه الدراسة بعد وفاته أی سنة 1837 [1]ثم توالت هذه الدراسات إلا أنها بقیت حتی الآن خجولة فی كثیر من جوانبها تستغیث المزید من الإهتمام والدراسات التاریخیة والأثریة المستفیضة.

“میسان دولة عربیة الأصل و وأشارت المصادر أن سكان میسان الأصلیین عرب منذ أیام الإمبراطوریة الآشوریة نزحوا أصلا من الجزیرة العربیة إلی بلاد الشام واستوطن قسم منهم ضفاف الخابور والفرات بین دیر الزور وطرابلس وغیرها من المدن، وقسم آخر استقر شمالی سوریا واسسوا دویلات فی حماة ودمشق وحران وحلب كما توغل قسم منهم فی بلاد سومر و اكد جنوب العراق وزادوا من العنصر السامی فی هذه البلاد واستطاعوا أن یكونوا دولة مستقلة فی فترة الإحتلال الإخمینی المعاصر تحكم نفسها بنفسها ،وهذا یدل أن حكم الإخمینی كان اسمیاً ومن هنا نری أن الإسكندر الكبیر عندما وصل إلی هذه المنطقة فی حدود 324ق.م وجدها تابعة إلی حكم أمیر عربی مستقل[2] ”

وقد عرف هذه الدولة أیضا باسم عاصمتها خاركس .وهنالك شبه اجماع علی أن مدینة میسان او((charaxالقدیمة هی مدینة المحمرة الحالیة.[3] وكذلك أیضاً حتی الآن هنالك جزیرة خلیجیة علی بعد 60km من مدینة بوشهر تعرف بجزیرة خارك وقد یكون اسمها مشتقا من اسم خاركس .حیث ذُكرت بهذة التسمیة فی كتب التاریخ والبلدان وإذا صح هذا یدل علی أنه كان یمتد نفوذ مملكة میسان علی طول الشریط الساحل الشرقی للخلیج (خصوصا وثمة بقیة لآثار وقصور یعتقد أنها ترجع لهذه الحقبة منها قصر ابن سیسوان القریب من خور عبدالله الحالی ).

و علی العموم كما أسلفنا إن الإسكندر بنا المدینة فی نیسان أو أیار عام 324ق. م وعلی ما تناقله المؤرخون یبدو أن بناء الاسكندر لهذه المدینة أی خاركس كان بدوافع و أسباب عدیدة منها لتكون المیناء التجاری الرئیسی والمخزن المهم للتجارة بین الشرق والغرب وحمایة عاصمة المقبلة بابل ……حیث لجأ الأخیر بعد أن فهم الأهمیة السوقیة للمدن إلی بناء المستعمرات بدوافع معینة تتباین فی طبیعتها، حسب ظروف المنطقة والسكان، الغرض منها السیطرة علی مركزیة الإدارة، والأهم منها لغرض نشر الحضارة الهلینیة الاغریقیة فی المناطق التی سیطر علیها فی الشرق وقد أصبحت مركز شعاع حضاریة. وقد اختار هذا الموقع بدوافع تجاریة لوقوعه علی طرق بحریة رئیسیة حیث أراد للمدینه أن تكون حلقة وصل بین عاصمة بابل وموانئ الخلیج من جهة وبین موانئ الجزیرة العربیة والهند من جهة أخری[4].

نشأت هذه الدویلة فی ما یبدو اولاً تحت حمایة السلوقیین اذ كانت میسان إحدی أهم الولایات التابعة إلی الدولة السلوقیة وكانوا هولا یولنها الأهمیة البالغة لمكانها السوقی لتعاملاتهم التجاریة . یتبین ذلك من تعیین الملك انطیوخس الثالث موظفا كبیرا لهذه الولایة اسمه تیجون (tychon)كتوم الجیش الأول. وأیضا من الهجوم الذی شنه علی الجر عائین سنة 205 ق.م إثر عودته من الشرق منتصرا .[5]

لكن مماعانت المدینة منه الفیضانات الكثیرة التی كانت تلهم المدینه وتبیدها بین الفینة والاخری حیث جرفت مدینه خاركس مثلا فی عهد انطیوخس الثالث وأعاد بنائها انطیوحس الرابع (164-165) وعین فیها رجلا اسمه (hyspaosines)حاكما علیها وكان عمره بین 30و40سنة ویعتبر هذا الشخص هو المؤسس الحقیقی لدولة میسان وفی مقدمة ملوكها ویذكر لاول مرة اسمه فی المصادر الأثریة سنة 175ق.م ای قبل تعینه حاكما علی خاركس [6] و لكن مع هذا لا تزال حتی الان لم تفصح لنا الكشفیات الاثریة تاریخاً مضبوطاً عن التاریخ الذی تسنم هذا الحاكم السلطة فیه ألی أن الشئ الواضح تقریبا انه استطاع بعد سقوط انطیوخس السابع فی (138/139-129ق.م ) الذی انحسر المد السلوقی فیه ودب الضعف فی جسم الدولة السلوقیة وظهره القوة الفرثیة… . ان یحتل بابل فی سنة 129ق.م ویشكل بعد سنتین مملكة عربیة موحدة فی بلاد ما بین النهرین . لكن علاقة هذا الملك مع القوة الفرثیة التی نشاءه علی انقاض السلوقیین لیست معروفة حتی الآن الا دفاعا عن سیادة مملكة من هجماتهم . لكن الشئ المؤكد هو ان الملك العربی (hyspaosines)شن حربا مع عیلام وهزم قائدها (بیتت ) واكتسحت الكثیر من مدن عیلام وخربت اثر ذلك، ثم بعد ذلك أرسل قائد إلی بلاد الماذیین وكان قصده من ذلك انتزاع مقام الصداره فی آسیا الصغری من فرثیا [7] وفی تلك السنة التی احتل فیها هذا الملك عیلام (=شمال الاهواز ) یبدو أنه حصل علی ثروة كبیرة مكنته من ضرب نقود إعلامیة تخلیدا لانتصارته. وتذكر المصادر التاریخیة ان ملكا باسم ((ابو داكس )) قد خلف الملك الأخیر علی حكم میسان ویتأكد ذلك من خلال مسكوكاته التی تحمل تاریخ 108/109ق.م التی یظهر فیها شبیها لهیسباوسینس وهی إشارة إلی أنه ابنه و آخر مسكوة تعود لعام 105/104ق.م [8]

واخلف هیسباس ،تیرایوس الأول 89/90ق.م وعرف نفسه بصاحب الخدمة الجلیة وهذ ما تؤكده أعماله الكثیرة فی إصلاح نظام الری فی مملكته .وهنالك فی كتب العربیة الإسلامیة ذكر لهذا الملك . إلا أن نسبه إلی تیری من ولد جودرز ((قال الحموی :نهر تیری: بكسر التاء المثناة من فوقها ویاء ساكنة وراء مفتوحة مقصور: بلد من نواحی الأهواز حفره أردشیر الأصغر بن بابك. ووجدت فی بعض كتب الفرس القدیمة أن أردشیر بهمن بن أسفندیار وهو قدیم قرب من زمن داود النبی علیه السلام حفر نهر المسرقان بالأهواز ودجیل الأهواز وأنهار الكور السبع سرق ورامهز: وسوس وجندیسابور ومناذر ونهر تیرى فوهبه لتیرى من ولد جودرز الوزیر فسمی به.)) بینما یذهب الكثیر من الباحثین منهم الدكتور مصطفی عبد الطیف أستاذ تاریخ الأدب العربی قبل الإسلام إن اسما هولا الملوك قد تكون صیغا یونانیة معدلة من اعلام عربیة قدیمة.[9] فمثلا تیری أو تیرایوس قد یكون طیر ایاس أو ثور ایاس العربی

ومهما یكن من أمر استمرت هذه الدولة حتی سنة 225 میلادی وتعاقبت حكامها الا أن من المؤسف حقا اننا لا نعرف عن الفترة او العقود النهایة لتاریخ هذه الدولة الا القلیل جدا غیر اننا نسطیع ان نفترض أن هذه الدولة بقیت طیلة الفتره الرومانیة –الفرثیة ولم یتمكن أحد من احتلالها إلا بعد التغییر الذی طرأ علی المسرح السیاسی آنذاك. بقیام الدولة البیزانطیة وتعاظم دورها مما أدی إلی تغییر الطرق التجاریة وانتقال قسم من تجارة الخلیج إلی البحر الأحمر مما أضعف اقصاد دولة میسان ….إذن فنهایة دولة میسان العربیة كما تشیر المصادر إلی ذلك هی سنة 225 .م وأن آخر ملك فیها یذكره الطبری هو بندو.[10]لكن مع ذلك ضل للعرب الحضور الفاعل فی هذه الأرض حیث ذكر أهل الأخبار أن عددا من القبائل العربیة فی الأهواز وكرمان من بنی حنظلة وبكر بن وائل و….فی عهد سابور ذی الأكتاف [11]ویظهر من روایات أهل الأخبار أن السبب الذی دعا بـ”سابور” إلى الفتك بالعرب، هو أن القبائل العربیة كانت قد توغلت فی جنوب إیران (فارس )، وصار لها سلطان كبیر هناك، وتزاید عددها، ثم صارت تتدخل فی الأمور الداخلیة للدولة الساسانیة. فلما أخذ الأمور بیدیه، بدأ یضرب هذه القبائل؛ للقضاء على سلطانها.[12] وأیضا یفهم مما كتبه “كورتیوس روفوس” Curtius Rufus، الذی عاش فی العشرات الأولى من القرن الثالث للمیلاد، أن العرب كانوا حینذاك فی “كرمان” وفی “فارس”. ولابد وأن یكون وجودهم فی هذه الأماكن قبل هذا العهد بأمد طویل[13] وأخیرا أتمنی أن تكون دراستی هذه مجرد تحریض أكادیمی للباحثین المختصین لیكملوا المسیرة ولا یجبر مما هم غیر مختصین بالدراسات التاریخیة أن یسبروا اغوار الحدیث فیما هو لیس اختصاصهم.

Print Friendly, PDF & Email

عن هُنَا الأَهوَاز

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*