www.honalahwaz.com
الرئيسية / قصص / یومیات شارع 14 ( الجزء الرابع) بقلم: مریم لطیفی
یومیات شارع 14 ( الجزء الرابع) بقلم: مریم لطیفی

یومیات شارع 14 ( الجزء الرابع) بقلم: مریم لطیفی

ارتفع صوت اغنیة قارئة الفنجان من المسجل العتیق و اخترق صمت الجدران المتواضعة لغرفه “چاسب”. 

کل صباح کلما یستیقظ “چاسب” من النوم، یشغل المسجلة ثم یذهب للمطبخ  و یمسک کوبا من الشای و یرجع الی غرفته متماشیا مع رنات موسیقی الاغنیه غير مهتما بما یحدث خارج الغرفه.

بیتنا کباقی البیوت فی الشارع مبنیا علی الطراز القدیم، یتألف من دورين متقابلين. مابين الدور یقع الحوش و هو ساحة كبيرة مرصوفة بموزاییک رمادي ذات النقوش البيضاء و السوداء ، کلما ترشه امی بالماء تتذمر من لونه و تشتکی لنفسها و تخلق قصة غریبة عن الموزاییک الرمادی .. تجدها تتضایق کثیرا حین تحنی ظهرها و تغسل التراب و تکنس لتنظف الحوش العتیق لکن لاتجد فی ذلک ای فایده .. فابی لا یکترث لمضایقتها من الموزاییک الرمادی. و انا ایضا لا اکترث للونه؛ بلعکس اجده فریدا من نوعه و طوال هذه السنین اصبح لی کجزء لایتجزى من هویه بیتنا العتیق. توجد في الدور الخلفي للمنزل ثلاث غرف. غرفة الاستقبال او الدیوانیه المفروشه بالسجاد و قد زينت جدرانها بالصور و تقع العين فيها هنا و هناك على التماثيل او باقة من الزهور المصنوعة بيد اختي الكبيره ،ثم تليها غرفة امي او غرفة الأغراض و بها الدواليب المليئة بالملابس و المواعين، و النضدة المتراكمة من البطانيات و اللحف و الابسطه التی تجد کل امراه تهتم بتنضيدها و يزيد فخرها کلما علت نضدتها. کان السجاد العربي المزین بنقوش الجمال وخریطه الطرق ملفوف تحت کل الاغراض.ابی کل سنه فی عید الفطر و بشق الانفس یجرها لیزین المضیف العربی لاستقبال ضیوف العید ….

یقع المطبخ بالجانب الشمالي لغرفة الأغراض و فی وجهیة الدور الخلفي تقع الطارمة مطلة و مشرفة على الحوش. ذهب الطلاء عن جدرانها و بقیت الحجاره صفراء بارزه کشجره عریانه فقدت اوراقها فی الخریف، الطارمه تحمي هذا الدور من اشعة الشمس الصيفية ، مرتفعة عن الدور الخلفي على باقي مكونات البیت. الطارمة مضيف للعائلة غالبا في الضحى او العصر تجدها مفروشة بالبساط تستقبل سوالف و حكايات جدي ” زایر اهنيدس” مع الشاي المشحون بالهيل و النبات، یتسمر کل واحد منا لسماع کلماته عن بطولاته فی ایام شبابه. يتالف الدور الأمامي المشرف على الشارع من غرفتين متتاليتين ثم الباب القديمي الصغیر مع الممر المسقوف الضیق يليه الحمام و فوقه الدرج الموزاییکی.  غرفة “چاسب” تقع في زاوية الدور الامامي، حيث فيها مكتبات على الجدران مرصوصة بکتب  و على الجدران هنا و هناك لوحات فنيه معلقة و تماثيل و صور لفلاسفة و منضدة حدیدیه صنعت بطلب من “چاسب” علی ید لحام من اصدقاء ابی و حواليها كراسي و المسجلة العتیقة. الغرفة المجاوره لغرفة ” چاسب ” غرفة صغيرة تلم جميع أغراض أبي و مستلزمات البيت و  اثاث لن تؤمن بلملمتهن امي و وجودهن غالبا مايثير جدلا بينها و بين ابی. هذه الغرفه الصغيرة مرشحة للتخريب مع الباب الصغير لتكوين باب كبير لعبور سیارة ابي في المستقبل القريب.

تقع الحدیقة جنب الحائط الاسمنتی لبیت جارنا السید مهدوي في الجهة الشماليه لساحة المنزل ، و الحديقة ليست كأي حديقة اخرى. تتزين حديقتنا بنخلة باسقه مرفوعة اسعافها الى السماء يعجز اللسان عن وصف هيبتها، فهي هناك كالأنثى واقفة علی جذورها مثابرة تتحدى شجرة التوت و الجدران المحيطة بها. النخلة تراقب ما يحدث في الحوش عن كثب و كان ظلال اسعافها حاضره بيننا حين نلعب  المسطاح او الغمیضه، كانها تحضننا من اشعاعات الشمس و قد اصبحت كأم ثانيه للبيت، رعايتها تتطلب عناية بدقه. فأبي يهتم بها كباقي افراد اسرته، كل سنة في الربيع يشد الحابول على حزامه و يصعد عليها حتى يلقحها و الى ان تثمر لا احد يسقي الحديقة و لن يهزها و يجب ان لا يمسها لا بارد و لا حار ، فهي ثمينة يحافظ عليها أبي كالؤلؤة، فنحن بفارق الصبر منتظرين قدوم ثمرها، الى ذلك الحين يفزع أبي كلما سمع زقزقة العصافير علی اسعافها التي تاكل و تنثر اللقوح و كنت اراه كم كان حريصا عليها حتى تثمر… كل صباح قبل تلألؤ اشعة الشمس على نافذة الغرفه كانت زقزقة العصافير تيقظني و كنت استمتع لهذه السمفونية قبل ان افتح عيني لبدء يوم جديد. قبل انظمامي لمائدة الفطور كنت اجلس على الدرج اشاهد العصافير في الحديقة كيف تاتي و تحط و تطير و تشاجر بعضها بعضا على الاشجار و كيف تزقزق ببديع اصواتها الحانا جميلتا تحيي الفضاء و تحيطني من كل جانب. كنت اغمض عيني مرة اخرى على الدرج حتى استمتع اكثر لصوتهن الجميل كنت اشعر بسعادة عارمة و اذا ما لم يكن صوت امي من على المائدة في الطارمه لكنت خلدت الى النوم مرة اخرى. – تعالي ولچ ..اغسلي ويهچ ، شوفوا … خذاها النوم علی الدری . لاطیحین ریما.. كان الدرج الموزاییکی مشرف على الحديقة يربط سماء أحلامي بالساحه الموزاییکیه الرمادية لبيتنا العتيق. حينما احس احساسا غريبا قد تراني جالسة على قمة الدرج، اشاهد اسطح البيوت المجاوره كيف تختلف عن بعضها

فأكثر الأسطح مصبوبة بمخل وط من الطين و التبن خوفا من تسرب المياه. كنت اشاهد الورود المزدهرة على هذه الأسطح كيف تداعبها الرياح العاتية. لاصوت و لا زعيق. قد تلمح العين كومة اثاث قد تركها الناس بلا استفادة فوق الأسطح. فجأة ترمقني نظرة من دائمي الجلوس أمام عتبة البيوت أو نفر من الماشية على الرصيف و حين ذاك أضم رأسي بين يداي العاريتين خوف من الحكايات التي طالما أخافنا أهلنا و امهاتتا و أخواتنا من تسربها في الشارع عن نزاهة الإناث. و اذ إحداهن ارتكبت خطأ ما، تقيم القيامة الكبرى فالشارع لاينتظر حتى الإناث تثبت برائتهن بل الحكاية تنتقل من بيت الى بيت و حتى يعلق كل شخص وجهات نظره و يضيف عليها كلمات حتى تصبح القصة مختلفة تماما عن الواقع.! و لكن انا قد اعتدت جلوسي خلسة على قمة الدرج و أفرح حين أشاهد اعمدة الكهرباء الخشبية او قافلة دجاج او تكاكي أمراة “مش تقي” و “سلمان البائع” المتوسط القامة و كثيف الشعر كيف يجر عربته من أول الشارع يصيح بصوته الأجش و القوي: – تفاح….تفاح…تفاح احمر يابا. تفزع اليه كالعاده جارتنا المباشرة أمام بيتنا “حكيمة” و هي دائمه أمام الباب و أطفالها حولها و دائما تفرق بثل الشاي في جدول المجاري. مع كل هذا استمتع مشاهدة ماذا يحدث في الشارع كسناريو فلم و لا أحتفل بالخوف الذي بداخلي.

کانت اذناي قد اعتادت على صوت الحزين للعندليب الاسمر و قارئة فنجانه کنت ادرک ان الكاسيت الاسود الصغیر قد وضع في المسجلة و كنت احرك شفتاي مع الأغنيه… . تجد “چاسب” دائما في غرفته، غارقا بأفكاره او يقرأ كتاب ما، أو في اجتماع مع أصدقائه يدخنون السجائر واحدة تلو الأخرى و يسافرون في الدخان و يحتفلون حينها بالمحاضرات و إبداء الآراء حول الأدب و الشعر و الموسيقى و يتباحثون على مواضيع لم تكن تمارس في شارع 14. كلما دخلوا الممر الطويل المظلم، ليصلوا الى ساحة البيت قد ترى كل واحد منهم يحمل كتاب او ملف تحت ابطه، يمضي بخطوات واثقة. ذلك قد حك صورة شفافه و راقية عنهم. فالواحد اذا رءاهم يرتاح له ضميره. كان الخريج الوحيد من جامعة تربيت معلم الذي اكمل دراسته و يحمل شهادة جامعية حينذاك في الشارع، كان بمثابة فخر لعائلتنا علي الأخص لأبي، فكلما دخل مجلس او انقعدت جلسه مع الأقرباء تجده مبتسم يرتعش فمه من كثرة فرحته لوصف ابنه المعلم و انجازاته ؛ الجيران يطالعونه بنظرة مثقف و شخص أمين و ياخذون رأيه بعين الاعتبار ، اذ تجده في شارع سرعان ما تعرف انه هو طويل القامه و نحيف مع ساقان طويلان و وجهه الأسمر و نظارته الكبيره التي تغطي عينيه الحافلتين بالخير و شغف و حب الاستطلاع و شعر صدره الناعم التي يطل من فتحة القميص و لحيته الناعمه تعكس براءة شبابه و حب الجلوس بجانبه فإذا رأيته يحييك بهدوء و سلام …

كان شباك نافذة غرفته مشرف على الشارع حيث يجلس الاولاد و يلعبون الغميضه و ضجيج عراك البنات على دور الصقله و ضحكات متتالية للأطفال على بعضهم و اصوات تحیة و سلام جيراننا لبعضهم حين يلتقون على الرصيف المجاور لغرفته و كنت أجده محظوظا لامتلاك شباك يطل على الشارع.  فالإنسان عندما يكون بحالة من الاكتئاب أو حين يواجه موجة حزن، يجب أن يشرد و يدیر ظهره عن كل الآلام التي تسبب له وجع الراس. فإمتلاك نافذة وسط هذه الغوغاء يعتبر امتياز كبير. كان قد يلح على ترتيب اثاث الكتب بإستمرار و نحن الصغار (انا و اخوانی الاصغر منی) هناك کنا نمد يد العون شئنا ام أبينا. فترتيب الغرفه تتطلب المساعده و هي أصعب وظيفه كانت لي حينذاك. يملأ الغرفه ب كافة أنواع الكتب الصغيره و الكبيره نجلس و نجتمع حوله، كانت احدي هوايته المفضله مسح و تصليح وختم الكتب الجديده و القديمه و عد و احصاء الكتب. فتعقد جلسة الصمت القبیحه المخنوقه لا يجب علينا شق رباط افكاره حين يختم علي الكتب اسمه او نخفض أصواتنا الى حاله همس في أذن الآخر و ذلك يتتابع مع نظراته الحاده من فوق النظارات يدفعنا لصمت مجدداً حينها يصبح كل منا يطالع بعضنا بنظرات الاستفهام و نخاطب بعضنا بتحريك شفاهنا. کانت تطول الجلسة حتي انفجار الضحك من احد المشاكسين الصغار الذين همسوا نكتة ما على ملابسه او كتبه او صور احدي الكتب و ماكادو ينتهون من آخر نكته و قد سردو لنا واحدة اخري وتملا الجلسة حالة هيستريا لم يعد بامكاني ككبيرتهم ان امنعهم من الضحك فكنت احسبه اسائة ادب في حضرته . تنتهي ضحكاتهم مع صرخة او لوية اذن احداهما و كان ذلك مؤلم جدا لدرجة الاحمرار من شدة الجر و كذلك كان يفعل في صفوف درس الرياضيات لتهدئة طلابه المشاغبين الذين لايفهمون لغة اللسان الناعم و قد تطالت السنتهم على الرد على المعلم و كم كان يملؤني هذا بالغبطة و الفرحه حين يسكت احد اولئک الطلاب الغير مؤدبين الذين أحمرت اذنهم من شدة الجر و في اليوم التالي تجد الاباء و الأمهات يعاتبون امي او يشكون الى أبي ما حصل في الصف. كان يرد عليهم كالتالي: – خلی اهلهم یحچون ویای … و لكن في كثير من الاحيان كنت اصادف الامه

ات و الآباء يشكرون و يرسل ون تحية و سلام على معاقبة ابنهم الضال فهو في البيت ما كاد وضعه يتحمل فتجد الأم متبسمه و فرحانه من عقوبة ابنها..! يستمر “چاسب” بمسح الكتب و يختم على كل واحد بخاتم ازرق اسمه حتى لايضيع اي كتاب من مكتبته و يذوب الثلج بسرد قصة او حكاية من ايام الجامعة او قصة طلابه و رسوبهم في الإمتحانات او ذكريات ايام المراهقه في القريه! حين كان يتنافس مع عمه الصغير على اخذ مكان الدلع و الحنان في قلب جدي كيف كان يخسر نتيجة غش المتنافس المشاغب و فرحته حين يفوز بقلب جدي. و جايزته الكبرى هي الركوب على ظهر الحمار الصغير! من حافة النهر الى بيت جدي الذي تظلله قمم اشجار السدر و النخيل و كان يصف كل من اركان البيت بدقه و لهف، لاينسى جزء صغير منه و كأنما يعيش بداخله.كيف جدتي تخبز في تنور الطين و كيف كانوا يعيشون ايامهم باصطياد السمك و السباحة في “الکرخه” الى ليالي الشتاء الطويلة و النوم على الأسطح و النجوم المتلألأة و يتمنى احد ان يخمش باقة النجوم من السماء الصافي كانت احد قصص المفضلة لدي. كنا نذوب في حديثه، ما اجمل حكاياته في حال صمتنا و كنا نترقب حدوث شي ما في القصه و رنين حنجرته و صوته في طريقة سرد الكلام و تسلسل الأحداث يجعلنا نستمع الى اخر ما يقول لنا و نحن نزيل الغبار من كتب الغرفة . کانت الشمس تغیب رویدا رویدا من علی حافة سطح الطارمه و الظلال یجتاح الحوش و الدور الامامی لبیتنا العتیق، مع انخفاض حرارة الشمس.کانت الحیاة قد رجعت لشارع 14، رفعت هتافات الاولاد و صیاح البنات ، و تبادلت اصوات الجلبه و التحیات و هدیر السیارت الماره و تحدیق الجیران فی اوجه سائقب السیارات لمعرفة هویتهم و الی ای بیت یتجهون و اصوات فتحة دکاکین مصلحی السيارات فی الشارع الرئیسی و فتح “مش تقی” بقالته . . .

کل هذا النشاط فی العصر، فالعصر یعنی الکثیر لجیراننا، یتفقدون بعضهم لبعض و یکسبون آخر الاخبار ماذا حدث فی بیوتهم و هکذا الکل یشارک فی شرب الشای و الاحزان فی السراء و الضراء.

کل هذه الغوغاء و نحن لازلنا نحبس انفاسنا فی الغرفه مع الکنب، طبع خاتمه الازرق علی احدی کتبه المفضلة لدی،  یحتوی الکتاب علی سیره ذاتیه لشعراء و کتاب کبار و قال ببطء و کانه يأمر:

– خل ایسوون لنا چای. . . .

و ما لبث و دق الجرس، کان الباب یطرق فعلا و هذا یعنی تحررنا من الوظیفه الشاقه و نحن بوضوح نعلم من خلف الباب و من وراء جلجلة الجرس، انهم اصدقائه المثقفون. کنت مستغرقة فی حلمی للحصول علی کتابی المفضل، تلاحقه عینای عن کثب این یضع الکتاب. فانا رایت صورة جمیلة لامراة فی الکتاب اخذتنی نظرتها الحزینه معها، فکنت اجعل خطتی لارسم وجه المراه الشاعرة، حتی اتباهى برسمها امامه. أيقظنی صوت ابی و هو یقول:

– فکوا الباب . . . فکوا الباب. . . 

ها انا ارکض حافیة القدمین علی الموزاییک الرمادی المغسول بید امی و الحرارة و رائحة الماء المتبخر تتصاعد من الموزابیک و تاخذ ذهنی معها الی الفناء  و انا متجهه نحو الممر الطویل المظلم لافتح الباب الصغیر الأخضر لدخول اصدقائه المثقفین. .

المصدر: مجلة المداد

Print Friendly, PDF & Email

عن هُنَا الأَهوَاز

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*